البراغماتية السياسية أم الإيديولوجيا: أيهما يقود العلاقات الدولية؟
في التحالفات الدولية أيهما أبرز، البراغماتية السياسية أم الإيديولوجيا؟
- النماج التاريخية تثبت أن الدول عندما تواجه خيارات مصيرية فإنها تنحو ناحية البراغماتية السياسية
كتب: نزار عبد الله بشير.
في دراسة العلاقات الدولية يظل السؤال حول البراغماتية السياسية أم الإيديولوجيا راسخا وقديما، باعتبار أن دول العالم لا تبني مواقفها بعشوائية، وإنما على أسس من العوامل الفكرية والاقتصادية والاستراتيجية.
في الوقت الذي يصر فيه بعضُ الباحثين على أن السياسات الخارجية تحكمها الإيديولوجيا، يقف في مواجهتهم آخرون يعتقدون أن البراغماتية السياسية هي العامل الأكثر تأثيرا في تحديد سلوك الدول الخارجي وتحالفاتها مع القوى الأخرى.
ما دفع الكاتب نحو تأليف المقالة هو أهمية فهم العلاقة بين البراغماتية السياسية والإيديولوجيا والذي يساعد على تفسير التحولات التي شهدها العالم خلال القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.
التاريخ السياسي يؤكد أن دولا رفعت شعارات أيديولوجية قوية ومصادمة وعادت لاتخاذ قرارات مبنية على حسابات المصالح.
هنا سنحلل إجابات للسؤال بشأن البراغماتية السياسية أم الإيديولوجيا، والأثر الذي تفعله كل منها على العلاقات الدولية، كما سنقدم نماذج تاريخية لكل مذهب ننحوه لتوضيح طبيعة تلك التفاعلات.

البراغماتية السياسية والإيديولوجيا في مفهوم السياسة الدولية
السؤال القائم دائما عند النظر في العلاقات الدولية هو: هل تتصرف الدول بدوافع الأفكار أم المصالح؟، هنا يتجادل المراقبون والمنظرون حول البراغماتية السياسية أم الإيديولوجيا.
الإيديولوجيا هي منظومة واسعة من الأفكار تحدد رؤية الدولة المتبنية للإيديولوجيا المحددة للعالم، نرى ذلك في الاشتراكية والقومية واليبرالية على سبيل المثال.
هذه الأفكار تؤثر بشكل أساسي في كيفية رؤية الدول للفرص والتهديدات، وتحدد بشكل حاسم طبيعة الخطاب السياسي والتحالفات الدولية وموقعها من الخارطة العالمية.
في الجانب الآخر نجد أن البراغماتية السياسية ما هي إلا اتخاذ القرارات على أساس المصلحة والنتائج المتوقعة، بغض النظر عن التوافق العقائدي أو الفكري.
عندما تنتهج دولة ما البراغماتية السياسية فإنها تتجه نحو هدف أساسي واضح هو تعزيز قوتها وحماية مصالحها في النظام العالمي.
لأجل ذلك لا يكون النقاش حول البراغماتية السياسية أم الإيديولوجيا نظريا وإنما مفتاح لفهم التحولات الجيوسياسية في العالم.
دور الإيديولوجيا في تشكيل العلاقات الدولية
عند طرح التساؤل حول البراغماتية السياسية أم الإيديولوجيا لا يمكننا تناسي ما فعلته الإيديولوجيا من صياغة الكثير من مشاهد التاريخ السياسي الحديث.
أبرز تلك المشاهد ما شهده العالم من صراع في القرن العشرين بين الولايات المتحدة التي تمثل الرأسمالية والاتحاد السوفيتي الذي يمثل الشيوعية.

كان ذلك الصراع في سياق التنافس الذي سيطر على رسم التحالفات والسياسات الخارجية الدولية في تلك الفترة التي عرفت ب “الحرب الباردة”.
خلال تلك الفترة من التاريخ السياسي كانت الإيديولوجيا هي المحدد الأساسي لهوية الدولة، كما استخدمت في تعبئة الشعوب، وتبرير الصراعات الدولية مثل الصراع في فيتنام وأفغانستان.
كانت الكثير من الحروب في تلك الفترة تعبيرا عن تنافس بين إيديولوجيا متناقضة وليست صراعا اقتصاديا محضا.
بالنظر إلى فترة الحرب الباردة وملامحها يتضح أن النقاش حول سؤال البراغماتية السياسية أم الإيديولوجيا لا يمكن حسمه بسهولة، لأن الإيديولوجيا أسهمت بجراحات عميقة في تشكيل النظام الدولي.

في التحالفات الدولية أيهما أبرز، البراغماتية السياسية أم الإيديولوجيا؟
عند النظر إلى التحالفات الدولية نجد البراغماتية السياسية والإيديولوجيا يحضران بقوة وبشكل معقد.
نرى دولا تتحالف مع أخرى لا تشاركها الإيديولوجيا، تتحالفان فقط من أجل المصلحة الاستراتيجية.
تبرهن العلاقات الدولية اليوم على أن البراغماتية السياسية يمكن أن تتغلب على التناقضات الفكرية في حالة تهديد المصالح الحيوية.
نشاهد دولا تتعاون رغم اختلافها السياسي في مجالات التكنولوجيا والأمن والدفاع والاقتصاد، ويرينا ذلك أن تلك الدول لا تهتم بالتناقضات الإيديولوجية في سبيل خدمة المصالح.
هذا المشهد يفسره الباحثون بأن البراغماتية السياسية والإيديولوجيا ليست مسألة اختيار بين طرفين متناقضين وإنما علاقة توازن تحكمها الظروف.
لماذا تفضل الدول البراغماتية السياسية؟
في العصر الحديث أصبحت البراغماتية السياسية الأكثر تأثيرا من الإيديولوجيا، ويرجع الباحثون ذلك إلى عدة عوامل:
1/ الحاجة إلى التعاون في مواجهة تحديات عالمية تهدد الجميع مثل التغير المناخي والأزمات الاقتصادية.
2/ ازدياد أهمية التجارة والطاقة والتكنولوجيا في السياسة الدولية.
3/ تعقد الاقتصاد العالمي وتشابك المصالح الدولية.
هذه الأوضاع أضحت تدفع الدول إلى اتخاذ قرارات واقعية تعتمد على الماصالح والربح وحسابات الخسارة بدلا من التخندق في مواقف إيديولوجية تمنع التعاون وتوقف تبادل المنافع.
لا يعني ذلك أن الإيديولوجيا اختفت وتلاشت عن ساحة العلاقات الخارجية والسياسة الدولية، وإنما يعني أن الدول أصبحت تميل ناحية البراغماتية في معظم الحالات.
الإيديولوجيا كأداة سياسية
على الرغم من تصاعد أسهم البراغماتية السياسية فإن الإيديولوجيا ما زالت تؤثر بقوة في السياسة الدولية، فهي الأداة الأولى في تبرير السياسات أو الحشد الشعبي والتعبئة الداخلية لتعزيز النفو السياسي.
نلاحظ أنه وعندما ترغب دولة في توسيع نفوذها أو بناء تحالفات جديدة فإنها تستخدم إعلامها ودبلوماسيتها في إنتاج خطاب أيدولوجي يتناول القيم المشتركة والمصالح المشتركة والهوية الدينية أو الثقافية.
بهذا الوجه يمكن أن تكون الإيديولوجيا وسيلة لتعزيز البراغماتية السياسية لا بديل عنها.
هل تؤثر الإيديولوجيا على الجبهة الداخلية للدولة سلبا أو إيجابا؟
بإمكان الإيديولوجيا التأثير سلبا أو إيجابا على الجبهة الداخلية للدولة، وتكون النتائج حسب طبيعة الإيديولوجيا، ومدى تقبل المجتمع لها.
عندما تعبر الإيديولوجيا عن جميع المواطنين وتكون مرنة وشاملة فإنها تقوي الوحدة الوطنية، وتوجد قاسما مشتركا قوميا أو دينيا أو سياسيا يعزز شعور الانتماء.
كما يمكن للإيديولوجيا الواضحة أن تكون دليلا لبناء السياسات وتجسيد المواقف، وتحفيز المواطنين على العمل العام بروح الانتماء للمشروع، وهو ما حدث بعد الثورة الفرنسية، إذ عززت أفكار المواطنة والحرية بناء هوية وطنية جديدة.
نذكر ذلك ولا ننسى التأثيرات السالبة المرتبطة بالإيديولوجيا المتشددة والإقصائية، والتي تسبب الانقسام الحاد عندما تستبعد فئات من المجتمع، وقد تقود الدولة بكاملها إلى الصراعات الأهلية.
كما تؤثر الإيديولوجيا بشكل قوي على التعددية فتقمعها بفرض فكر واحد يصادر حرية التعبير ويقضي على الإبداع، بل ويختطف الدولة بكاملها لصالح اتجاه فكري أو ديني أو سياسي واحد.
وتزيد الإيديولوجيا من حدة الاستقطاب فيحارب المجتمع بعضه بعضا كما حدث في الحرب الأهلية الإسبانية.
يؤكد المختصون أن المشكلة لا تكمن في الإيديولوجيا ذاتها بل في درجة مرونتها وانفتاحها، واعترافها بالاختلاف، وسلوكها في إدارته، مع وجود مؤسسات راسخة وعادلة قادرة على حماية الجميع.
مقارنة بين قدرة البراغماتية وقدرة الإيديولوجيا في التعامل مع قضايا القوميات
تختلف قدرات الإيديولوجيا والبراغماتية في التعامل مع قضايا القوميات بالرغم من أنهما من أبرز المناهج في التعامل مع هذه التعددية الثقافية والعرقية، وتختلف هذه القدرات تبعا لاختلاف الظروف الاجتماعية والتاريخية.
ترتكز الإيديولوجيا على مبادئ لا تتغير تهدف إلى خلق وحدة مجتمعية تحت هوية أو مشروع سياسي واسع لكنه واحد.
أثبتت التجارب التاريخية أن ذلك يحقق قدرا من التماسك والوحدة، غير أن الإيديولوجيا في بعض الحالات قادت إلى تهميش مجموعات سكانية لا يتوفر لديها الانسجام الكافي مع المشروع السياسي والاجتماعي.
ظهر ذلك جليا في تجربة الاتحاد السوفيتي التي اجتهد منظروها في إنشاء وتطبيق هوية اشتراكية تضم قوميات متعددة.
قدم الزعماء السوفيت رؤى متعددة خاطبت مسائل القومية فقد كرر فلاديمير لينين مرارا مقولته: “لا يمكن أن يكون شعب حرا إذا كان يضطهد شعوبا أخرى”، وكتب في كتابه “حق الأمم في تقرير المصير “الصادر في عام 1914مرة أخرى: “يجب الاعتراف بحق الأمم في تقرير مصيرها بما في ذلك حقها في الانفصال”.
وجاء في كتاب جوزيف ستالين “الماركسية والمسألة القومية” الصادر في عام 1913: “الأمة هي جماعة مستقرة من الناس تكونت تاريخيا على أساس وحدة اللغة والإقليم والحياة الاقتصادية والتكوين النفسي الذي يتجلى في الثقافة المشتركة”.
وقال نيكيتا خروتشوف: ” لقد أثبت الاتحاد السوفيتي أن شعوبا من قوميات مختلفة تستطيع أن تعيش وتعمل معا في أسرة واحدة”.
وجاء في كلمة لليونيد بريجنيف “لقد نشأ في الاتحاد السوفيتي مجتمع تاريخي جديد هو الشعب السوفيتي”.
وعقد الحزب الشيوعي السوفيتي مؤتمرات كبرى تناولت الشأن وقدمت من خلالها أوراق علمية ذات محتوى مهم، إلا أن القوميات المختلفة ظهرت بقوة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
أوضح ذلك أن الحلول الإيديولوجية التي اتبعت لم تستطع احتواء التنوع في وحدة المشروع المتكامل.
على الجانب الآخر تعتمد البراغماتية على البحث عن حلول علمية تعتمد على الواقع الاجتماعي وموازين القوة، فنجدها قائمة على اللامركزية وتقاسم السلطة والاعتراف الحقيقي بالتنوع الثقافي واللغوي.
نشير إلى أن سويسرا هي المثال الأبرز لهذا المنهج، إذ تدير التنوع عن طريق الفيدرالية التي تمنح الأقاليم صلاحيات واسعة، ووجدت المكونات المجتمعية نفسها مشاركة في الحكم، وكان ذاك من أسباب الاستقرار.
ومضت كندا في ذات الاتجاه عندما منحت مقاطعة “كيبيك” الناطقة باللغة الفرنسية صلاحيات أوسع، وجرى الاعتراف بخصوصيتها الثقافية.
أما عن الفشل فنقدم التجربة اليوغوسلافية التي قادت إلى حرب طاحنة وتقسيم البلاد إلى عدة دول، عندما لم تستطع القيادة السياسية الانتقال من الخطاب الإيديولوجي إلى حلول براغماتية بعد نهاية الحرب الباردة.
بالرغم من الأمثلة الماثلة لا يمكن الجزم بأن البراغماتية ناجحة دائما، خاصة إذا اعتمدت على تسويات سطحية لا تخاطب جذور القضايا.
يرى العديد من المختصين أن إدارة قضايا القوميات تعتمد في المقام الأول على الوصول إلى توازن بين مبادئ المساواة والعدالة والسياسات التي تحفظ وحدة الدولة من التفكك.
البراغماتية السياسية والإيديولوجيا في النظام الدولي المعاصر
ساحة العلاقات الدولية المتشابكة اليوم مع البقاع المشتعلة بالمعارك يجعل فهمنا للبراغماتية والإيديولوجيا أكثر أهمية.
هناك دول كبرى تعمل على الوصول إلى مصالحها الاستراتيجية في الطاقة والتكنولوجيا والاقتصاد، ومع ذلك تقدم خطابا سياسيا يعبر عن هويتها الفكرية وقيمها السياسية العريقة.
التداخل بين المصالح والأفكار يعني أن السياسة الدولية لا يمكن تفسيرها بعامل واحد فقط، وإنما بدراسة التفاعل المستمر بين عدة عوامل من بينها البراغماتية والإيديولوجيا.
ما هو تأثير الإيديولوجيا على العالم القديم؟
أثرت الإيديولوجيا عميقا على حياة الأمم في العالم القديم، وامتد التأثير إلى طرق التفكير الشعبي وتنظيم تداول السلطة وأيلولة الحكم، وأشعلت الحروب، وكان لها الأثر الأبرز في تحديد علاقة البشر بالدين والطبيعة.
المعلوم أن مصطلح “إيديولوجيا” ليس قديما بيد أن الحضارات القديمة كانت تقوم في الغالب على منظومات عقائدية وفكرية يمكن وصفها اليوم ب “الإيديولوجيا”.
أسهمت هذه المنظومات قديما في ترسيخ سلطات الحكام والأباطرة والملوك، عن طريق تسخير الأفكار الدينية والسياسية لتبرير دكاتاتوريات الحكام.
على سبيل المثال تعتبر الحضارة المصرية الفرعون إلها أو موكلا من جانب الإله، وذاك ما حول الحكم السياسي إلى حكم مقدس إلهي.
وكثيرا ما تسببت أفكار قومية أو عقائدية في إعلان الحروب لأجل التوسع، بل أن حروبا مدمرة كانوا يسوقون لها بأنها “مشيئة الآلهة” مما يدفع الناس للموت في خضمها بكل رضا وسعادة!.
وأسهم التدافع والتنافس الديني في صراع حضارات كبير يمكن التمثيل لها بالحروب الفارسية اليونانية.
ويمكننا القول بأن تأثير الإيديولوجيا في العالم القديم امتد إلى تأسيس الأنظمة الاجتماعية والقوانين والتشريعات والعلاقات الاجتماعية، كشريعة حمورابي في العراق القديم.
وأسست المعتقدات الدينية في تأسيس النظام الطبقي في الهند.
لا ننسى كذلك أن الإيديولوجيا كانت تضع محددات وتوجهات للثقافة والعلم، فقد وضعت الفلسفة في أثينا أساس اتجاهات فكرية لها أثرها على الأخلاق والسياسة، كما كان الفنانون يعبرون عن اتجاهات عقدية من خلال عمارة المعابد وصناعة التماثيل.
لقد عملت الإيديولوجيا أيضا على تقسيم الشعوب أو توحيدها، فقد اختلفت شعوب عقائديا فثارت بينها الحروب، كما اتفقت شعوب فتحالفت.
أيهما يحكم عالم اليوم؟
سيبقى الجدل قائما بشأن أيهما يسود البراغماتية السياسية أم الإيديولوجيا؟، فالإيديولوجيا تمنح الدول هوية فكرية وتحدد منظورها لغيرها من دول العالم، فيما تقدم البراغماتية أدوات عملية لتحقيق المصالح، في عالم لا تستقيم علاقاته إلا بالتعاون.
نشير إلى أن النماج التاريخية تثبت أن الدول عندما تواجه خيارات مصيرية فإنها تنحو ناحية البراغماتية السياسية لأنها تقدم حلولا مفتوحة لا محكومة بمحرمات أو مغلقة.
ورغم ذلك تبقى الإيديولوجيا عنصرا مهما يشكل الخطاب السياسي ويؤثر في الرأي العام المحلي ويسهم في بناء التحالفات الدولية، هذه التحالفات التي تسيطر على المشهد العالمي وتقوده خاصة في لحظات انفجار النزاعات المسلحة.